الاثنين، 22 مايو 2017

#ذكرى

إن الذكريات هي أرواح الراحلين ، تجد فيها دفئ كفوفهم فتسند رأسك إليها كلما عصف بك الحنين ، تشم فيها عبق وجودهم وأنت تسير معهم في رياض الأيام الجميلة التي لن تدرك كم هي حقًا جميلة إلا بعد فوات الأوان . 

ولأن أبي سيوبخني كثيرًا لو قلت أنه رحل مبكرًا جدًا وأنني لا زلت أحتاجه وأشعر أن لا غنى عن البوصلة في عرض البحر ، لذلك سأقول أنني ممتنة من قاع قلبي لثمانية عشر عامًا وأربعة أيام قضيتها منعمة في كنفه .

كعادتي ثرثارة حدت عن الطريق الذي رسمته لهذه الذكرى ، هذه الذكرى هدية لأختي صاحبة الروح اللطيفة والابتسامة الساحرة ، وإن كانت ستترقرق دموعها وهي التي لم تخطئ صديقتها حين أسمتها " أم دميع " ، لكنها ستحب كثيرًا أن تعرف تفاصيل ذلك اليوم .

أبي كان من النوع الهادئ قليل الكلام ، لم يبح لنا يومًا بمشاعره لكنني كنت أستطيع أن أقرأها دومًا من عينيه ، كنت أرى الرضى في كل عام كنا نكرم فيه أنا وأخواتي لتحصيلنا العلمي ، كنت أرى الخوف والقلق حين مرضت ذات يوم وهو يجلس بجانبي ويدلك رجلاي ، رأيت الحب وهو يقشر لنا الفاكهة وقد كان حريصًا دومًا على أن يكون صاحب هذه المهمة ، رأيت ما عجز لسانه أن يقول .

في ذلك اليوم تواصلت معنا صديقة أختي لعمل مقطع فيديو سيعرض في white coat ceremony ، وهي احتفالية بسيطة تقيمها كلية الطب للطلاب الذين سيدخلون سنتهم الخامسة في مشوارهم الطبي ويتم تسليمهم اللاب كوت الأبيض (خانتني اللغة في إيجاد المصطلح باللغة العربية ) .

اتفقنا على عمل فيديو تتحدث فيه أمي أولًا ، وانتهاءً بأولاد أخي ، فكنت أخبر أمي بالخطة وكان أبي جالسًا في ذات المجلس لم أطلب منه المشاركة كون الفيديو خلاصته تعبير عن المشاعر وظننت بأنه لن يريد ، في خضم الحديث مع أمي ، قال أبي : " وأنا عادي أشارك ؟! " ، ابتسمت له : " طبعًا باه " ، اتفقنا على الموعد سيكون التصوير في المجلس بعد صلاة المغرب لكل منهم 10 ثواني يتحدث فيها بشكل موجز .

كان سعيدًا جدًا رأيت صفحة قلبه تتحدث ، وأنا أتذكر الآن ملامحه في تلك اللحظة لو لم يقيد بالعشر ثواني لأطلق العنان لتلك المشاعر أن تتحدث ، قال يومها : " نحن فخورين بش بنتي الله يوفقش ويسعدش " .. أعدنا تصوير الفيديو 5 مرات ، في كل مرة كان الفيديو تشوبه شائبة ، إلا أنه لم يتذمر من ذلك مطلقًا .

خلاصة القول إن الأب وإن لم يفصح عما يجول في داخله من حب ، فخر ورضى إلا أنه يفيض بها بداخله ، تُرى دون أن يتحدث .

السلام على روحك التي كانت تحمل نهرًا عذبًا من المشاعر .