في فترة ما قبل السبعينات الذي كان شظف العيش السمة الأساسية فيه كان وجود
رجل في العائلة مهم ؛ ليكون القائم بأعمال الأسرة . في أسرة أمي كان خالي هو الذي
يقوم بهذا الدور بعد رحيل جدي وكان الرجل الوحيد في العائلة .
بعد سنوات وجدت جدتي نفسها مسؤولة عن طفلتها وعائلة ولدها الأكبر
المكونة من أربعة أطفال بعد فجيعة فقدانه. لم يكن تدبير لقمة العيش في الوادي ،
وإدارة المزارع على عاتق امرأة عملية سهلة ، ومع التنكيل الذي واجهته جدتي من رجال
قبيلتها ، والظلم الذي سُلط عليها حتى اضطروها للوقوف أمام القضاة ولنزاعات
تافهة كأثر الماء وأمور أخرى ، عاهدت جدتي
أنها ستحفظ حق أحفادها الأيتام وابنتها مهما فعلوا .
كانت العادة في قبيلة أمي أن لا تُزوج الفتيات خارج القبيلة ، إلا أن
جدتي أقسمت أن لا يكون لهم حق في ابنتها الصغرى وستزوجها بُعد المغرب من الوادي .
كانت أمي وجدتي عائدتان من السوق عندما أخبرتها جدتي أنها قامت بتزويجها لرجل من وادي
بني خروص وكان تبلغ من العمر حينها أربعة عشر سنة.
" بنت الرجال ما تخاف من الرجال " عبارة ترددها أمي كثيرًا ، ولا يعني
قوة المرأة أن تتخلى عن حياءها ، ولكن قوة المرأة هي التي تشكل حياءها. وأنا في الحقيقة
أرى جدتي مثال عظيم للقوة فوجودها في مجتمع ذكوري أراد أن يمارس تسلطه وغلبته عليها
لكنها كانت شوكة في أعناقهم ، فليست كل النساء بهذه القدرة.
رأى جدي -من جهة أبي- هذا الجانب من أمي وكان يحترم ويردد دائمًا بإعجاب
" أسميش شيطانة !" ، ولقد شهدت الكثير من المواقف التي كان حسم أمي
وقوتها فيها واضحًا أمام أبي في الأمور والمواضيع التي تدور في المنزل. وأعتقد أن
كل فتاة يجب أن تعزز هذا الجانب منها وتحافظ على حقوقها وتمارسها مع أي كائن كان.