الخميس، 8 مارس 2018

قوة

في فترة ما قبل السبعينات الذي كان شظف العيش السمة الأساسية فيه كان وجود رجل في العائلة مهم ؛ ليكون القائم بأعمال الأسرة . في أسرة أمي كان خالي هو الذي يقوم بهذا الدور بعد رحيل جدي وكان الرجل الوحيد في العائلة .
بعد سنوات وجدت جدتي نفسها مسؤولة عن طفلتها وعائلة ولدها الأكبر المكونة من أربعة أطفال بعد فجيعة فقدانه. لم يكن تدبير لقمة العيش في الوادي ، وإدارة المزارع على عاتق امرأة عملية سهلة ، ومع التنكيل الذي واجهته جدتي من رجال قبيلتها ، والظلم الذي سُلط عليها حتى اضطروها للوقوف أمام القضاة ولنزاعات تافهة  كأثر الماء وأمور أخرى ، عاهدت جدتي أنها ستحفظ حق أحفادها الأيتام وابنتها مهما فعلوا .
 كانت العادة في قبيلة أمي أن لا تُزوج الفتيات خارج القبيلة ، إلا أن جدتي أقسمت أن لا يكون لهم حق في ابنتها الصغرى وستزوجها بُعد المغرب من الوادي . كانت أمي وجدتي عائدتان من السوق عندما أخبرتها جدتي أنها قامت بتزويجها لرجل من وادي بني خروص وكان تبلغ من العمر حينها أربعة عشر سنة.
 " بنت الرجال ما تخاف من الرجال " عبارة ترددها أمي كثيرًا ، ولا يعني قوة المرأة أن تتخلى عن حياءها ، ولكن قوة المرأة هي التي تشكل حياءها. وأنا في الحقيقة أرى جدتي مثال عظيم للقوة فوجودها في مجتمع ذكوري أراد أن يمارس تسلطه وغلبته عليها لكنها كانت شوكة في أعناقهم ، فليست كل النساء بهذه القدرة.
رأى جدي -من جهة أبي- هذا الجانب من أمي وكان يحترم ويردد دائمًا بإعجاب " أسميش شيطانة !" ، ولقد شهدت الكثير من المواقف التي كان حسم أمي وقوتها فيها واضحًا أمام أبي في الأمور والمواضيع التي تدور في المنزل. وأعتقد أن كل فتاة يجب أن تعزز هذا الجانب منها وتحافظ على حقوقها وتمارسها مع أي كائن كان.

الجمعة، 2 مارس 2018

#رسالة

منذ فترة ليست بالبعيدة يا صديقي لاحظت شيئًا في نفسي أحزنني كثيرًا ، شيء لم أعتقد أنه موجود فيني ، لكنني في ذلك اليوم التفت إليه ، وجدته يضع بقعًا سوداء على قلبي دون أن أشعر.

لأوضح لك ما أقصده يا صديقي دعني أخبرك بعض المواقف ، مررنا يومًا بمنزل اختار أصحابه أن يكون صبغه على هيئة البيوت المتشققة وكان أول ما قلته في نفسي " كيف هذلا الناس يفكروا !" . وفي الكلية مرت أمامي يا صديقي فتاة ترتدي حسب معاييري نعالًا منزلية فرددت في نفسي " ليش لابسه مال بيت! " ، ومرة رأيت فتاة ترتدي عباءة مفتوحة بالكامل فأسررت في داخلي " مو الفايدة لابستنها ! ".

وغيرها الكثير من المواقف ، أجل هذا الشيء البغيض موجود في داخلي يا صديقي  ، تساءلت مع آخر موقف " ما شأني وشأن العالم !" ، أصحاب الصبغ المتشقق معجبون بمنزلهم ، والفتاة مرتاحة بالنعال المنزلية التي ترتديها والأخيرة راضية عن نفسها ، لماذا نجعل من أنفسنا يا صديقي النموذج المثالي الذي يجب أن تتصرف البشرية على أساسه .

من يومها يا صديقي أدركت أن هنالك الكثير من البقع  في داخلي والتي يتوجب علي تنظيفها ، حتى أنني ذات مرة قلتها بصوت مسموع عندما كنت في طريقي لأطلق حكمًا على أحدهم " تو مالش هي عاجبنها ! " ، وتأملت في قوله تعالى : " وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ، يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " ، لا أرى سلامة القلب يا صديقي من الشرك فقط ، يجب أن يكون سليمًا من الحكم على الآخرين ، ولا أعتقد أن الطريق ليصبح قلبي نقيًا من هذا الشيء سهلًا ، ولكنني أحاول في كل مرة تحثني نفسي على ذلك أن أردد " ما شأنك وشأن العالم ! " .

أؤمن يا صديقي الآن أن النقاء الحقيقي عندما نتوقف عن الحكم على الآخرين ، ففي نهاية المطاف كبشر سنختلف في الأذواق وما أراه جميلًا قد يراه الآخر أقبح القبح ، وما أؤمن أنه الحق قد يكون باطلًا.