الاثنين، 29 يوليو 2019

بدون عنوان

عند انتظارنا في محطة الحافلات كان الوقت يشير إلى ما بعد الثانية ظهرًا بقليل ، مر علينا رجل يبدو أنه في الخمسين من عمره ثمل يريد يورو وكان يطلب من الناس الموجودة ولا أحد يعيره اهتمامًا ؛ لأنهم مجموعة -لا أعلم إن كانوا بلا مأوى- لكنهم يشكلون حلقة دائمًا في محطة الحافلات يشربون ويقامرون مع بعضهم ، في المرة السابقة كانت امرأة منهم أيضًا تطلب يورو. كلما تأملت هذه المجموعة أسأل الله العافية والسلامة مما ابتلاهم - لست بصدد الشماتة هنا فأنا لا أعرف الظروف التي أوصلتهم لهذه المرحلة- ، لكن كلما رأيتهم وماثلت هذه المشكلة بالخواء في هذا العمر وبتعرية المشهد من كل ما يتنافى مع ديننا الحنيف أدعو الله من كل قلبي أن لا أصل لهذا العمر ولم أصل إلى الوقار والرزانة والصلاح.
....
لم أركب الحافلة هنا لمسافات طويلة جدًا كخمس ساعات ، وفي رحلتي لبلجيكا أصبت بصداع شديد جدًا واستفرغت كل ما كانت تحمله معدتي ، بالرغم من سعادتي لأنني أعرف ما إن أصل لمرحلة الاستفراغ حتى يخف الصداع تدريجيًا ، كنت حزينة جدًا ؛ ما اعتدت أن أصل لهذه المرحلة من الألم -في أحيان نادرة والحمدلله- دون أن يكون هناك حضن ، يد أو كتف. كنت أود البكاء بشدة وأعلم - أنني دراما كوين الآن لكن هذه أعراض الإشتياق- ولمت نفسي كثيرًا على تحميلي هذا المشقة وتساءلت  " مو الوازي ". ولكن الآن بعد عودتي من بلجيكا أعلم أن الرحلة كانت تستحق العناء وكنت أعلم من قبل ، فقط مسألة إثبات للذات لا أكثر. بلجيكا بلد عريق والمباني شواهد جميلة ، شوارمتهم في العاصمة لذيذة جدًا والوافل المشهورة به لا يقل لذاذة ، وأيضًا كلما مررت بمحل شوكولاتة قلت " أسميهم يلعبوا بالشوكولاتة هنا " فتجد كل ما يخطر وما لا يخطر ببالك مصنوع بالشوكولاتة.  وفي السفر أحب أن أتأمل البشر ، إنه أمر مذهل أن نشترك في كوننا بشرًا ولكننا نختلف كثيرًا جدًا.
....
أختي الكبيرة دائمًا ما تدعو لي " الله يسخر لك عباده الصالحين " ، وأشعر أن الله يستجيب دعواتها. ففي هذه الرحلة التي أكملت شهرًا منذ بدأتها لم أصادف إلا الناس اللطيفة ، بدءًا بزميلاتي في التدريب وانتهاء بكل الناس الذين قابلتهم خلال تواجدي هنا حتى الذين نستوقفهم أحيانًا لنسألهم عن اتجاه أو مكان ما خلال رحلاتنا. لقد استشعرت هذا في مواقف كثيرة وأقربها بالأمس عندما كنت في براج وكان أقرب مسجد يبعد 35 دقيقة مشيًا فاقترحت على زميلاتي الغير مسلمات إكمال النزهة دوني وأنا سأتوجه للمسجد ثم أعود إليهن ، إلا أنهن رفضن ذلك وأصررن على القدوم معي وانتظاري.
....
لقد لاحظت خلال رحلاتي مع زميلتي القادمة من بوليفيا -أمريكا الجنوبية- أن سكان هذه القارة لطيفين جدًا اتجاه بعضهم البعض  خصوصًا واتجاه الآخرين. شكل زميلتي اللاتيني البحت يسهل التعرف عليه واسمها أيضًا لذلك دائمًا ما أجدها تنخرط بسهولة في أحاديث مع أشخاص من قارتها في وسائل المواصلات ولأنها تتحدث الإسبانية والبرتغالية فيمكنها التواصل مع جميع سكان القارة. بالأمس كنت أناديها باسمها وما إن سمع الرجل الجالس أمامها اسمها حتى بدأ الحديث معها ولم ينتهوا إلا عند وصولنا للمحطة بعد ساعة ونصف. وعند وصولنا لبلجيكا وفي الترام كنت أريد التأكد أننا نسلك الاتجاه الصحيح -أنا القائد في رحلاتنا بالمناسبة- ، فتعرفت زميلتي من شكل الجالسه بجانبها أنها من أبناء جلدتها فسألتها وانخرطن بعدها في الحديث عن وجهتنا وأين تدرس ووو.

السبت، 20 يوليو 2019

" خديجة لا تغلقي الباب ، لا تدخلي في الغياب "


في الحقيقة أنا الآن أعيد كتابة الكلام وأنا في مطار دبي لأنني نسيت المذكرة التي كتبت فيها في الطائرة السابقة.

الإنسانة التي تذكرني دائمًا بأنها إلى جانبي.

أكتب وأنا على متن الطائرة عائدة لأراها ترتدي الفستان الأبيض. لطالما أخبرتها أنني لا أمتلك ذكريات معها في الطفولة بالرغم من أنني آتي بعدها مباشرة في الترتيب الأخوي. لكنني لست جزعة مطلقًا ، أشعر أن الحياة كانت منصفة فقد محت ذكريات الطفولة لتغمرني بالحب طوال السنوات التي كبرنا فيها معًا في البيت " الذي سقانا الحب والرحمة ".

الأخت التي لم تتوسطنا فقط بل توسطت قلب أبينا أيضًا ،  وأنا هنا أعترف أن أبي لا يُلام حين كان يفضلها ؛ فقلبها ليس في جعبتي كلمات لتصفه ، لكنني حقًا أغبطها وأرجو أن أصل يومًا لنقاء قلبها.


خديجة أختي الحبيبة وقدوتي في الجد والإجتهاد في الدراسة. ها هي ذا بعملها كطبيبة تكون أيضًا قدوتي في الإخلاص في العمل ، ومواصلة المسير نحو شغفنا بقرارها مواصلة دراستها في تخصص الجراحة. أنا متأكدة أنها ستنجح. 


في يوم خطوبتها كنت فخورة جدًا بها وبإخوتي ، حين اشترطت أنها تريد متابعة دراستها في تخصص الجراحة وكان أخي الأكبر سينقل شرطها في مجلس الرجال لتكون كلمة رجل لرجل ، وأضاف أخي " هذا حلمها وهي تسعى له ". شعرت حينها أن أبي يتجلى في أخي الأكبر.

أود أن أقول أنني محظوظة جدًا بها ؛ كأخت تحب أن أحصل دائمًا على ما أحبه. لطالما تعجبت منها عندما أبدي إعجابي فقط بشيء تمتلكه فتمده لي غير آبهة بنفسها فقط لأنه يعجبني. أخبرتها أثناء فترة دراستها " لما تشتغلي تراش بتتمشكلي بهالطريقة " ولم يكن أبدًا مشكلة بالنسبة لها بل على العكس كانت فرصة للعطاء أكثر ولنجرب أشياء كثيرة معًا ، وكانت صادقة.

أحب كثيرًا عندما تقول لي " عطيني يدش " وتمسحها بحنان وتذكرني بأنها دومًا إلى جانبي ، حتى وإن لم يكن هناك ما يستدعي الأمر. أحب سؤالها المستمر عن قلبي وعن حال السلام فيه.

في النهاية أود أن أقول وأنا واثقة أنها لن تتغيب لكن حزينة جدًا بانتقالها إلى بيت آخر " خديجة لا تغلقي الباب،  لا تدخلي في الغياب " " فإن الشمس بعدك لا تضيء على السواحل " .. أرجو من أعماق أعماق قلبي أن يذوب قوس قزح في أيامها القادمة ويجعلها أكثر بهجة ، وأن تكون دائمًا جميلة تمامًا مثل العوابي بعد يوم ماطر. وأن تصنع برفقة هيثم حياة ملؤها الحب والرحمة والمودة.