الاثنين، 12 أكتوبر 2020

علِّموهم الحُب

 في الحقيقة هنالك الكثير من الأشياء التي يجب أن أنجزها اليوم، لكن أشعر برغبة في الكتابة.

حدث هذا الموقف لي الأسبوع الماضي مع نور -بنت أختي- التي تبلغ من العمر -امممم نسيت بس هي ما مكمله ٣ سنوات-. ولا زال الأمر يلامس شغاف قلبي، كلما أتذكر الموقف أشعر بدفئ شديد يغمرني.

كنت أذاكر في الصالة عندما جاءت تريدني أن أجلسها في حجري لتشاهد التلفاز. أزلت حاسوبي من ركبتي وأجلستها، سألتها " تحبيني واجد ولا شويه ؟ " ردت " شويه ! "، قلت لها " بصيح أنا أحبش واجد ". وسكتت أكملت أنا مذاكرتي وهي مشاهدة التلفاز، وبشكل مفاجئ بعد لحظات مدت يدها على رأسي وهي تربت عليه وتقول " أحبش واجد ".

عصر اليوم تذكرت الموقف، وكنت أسأل نفسي هل المشاعر مكتسبة؟ كيف يمكن للكائن البشري أن يطور فكرة عن معنى الحب مثلًا، أو معنى الفرح أو الغضب؟ الطفل يخرج لهذا العالم بدون وجود أي معنى لهذه المشاعر، لكنه يبدأ بإكتساب معناها من البيئة المحيطة به، فيبدأ يميز أن هذا النوع من ردة الفعل هو دليل على الغضب، أو دليل على السعادة، وتبدأ المشاعر تكون معناها لديه. لما توقفت اليوم وأنا أتأمل هذا الموضوع أحسست إن سبحان الله شيء عجيب جدًا، بالرغم من إن الأمر بديهي جدًا لكن ما جالي توقفت وتأملت فيه.

وما أود قوله من موقف نور إن علِّموهم الحُب، أظهروا مشاعر الحب أمام الأطفال، الطفل يكتسب هذه المشاعر ويتعرف عليها من خلال الوالدين كيف يتعاملوا مع بعضهم، وكيف يعاملوه أيضًا، الحب ما بس بيساعدهم يتجاوزا الكثير من الأشياء في الحياة، بيساعدكم أنتم أيضًا؛ نحن محتاجين الحب منهم أكثر، محتاجين هذه المشاعر تُظهر لنا منهم. وأعتقد أن السؤال عن المشاعر أمر مهم، أن نضع هذا الموضوع كموضوع نقاش بيننا وبين الطفل يعزز قدرته على إكتشاف هذه المشاعر. كأن نسأله بعد أن يلعب، أو بعد يوم مميز له كيوم الميلاد أو أول يوم في الحضانة أو الروضة " كيف حسيت ؟ كيف كان شعور إطفاء الشمعة ؟ كنت خايف لما دخلت الروضة وشفت وجوه جديدة ولا متحمس لأنه بيصيروا عندك أصدقاء جديدين ؟". أحس مثل هالنقاشات تخلق طفلًا قادرًا على التعبير عن مشاعره. نحن نعاني حقيقة من مشكلة إن الأطفال ما قادرين يعبروا عن مشاعرهم كم مرة مر عليك هذا الموقف مثلًا وأنت تقول لطفل " أنا أحبك " أو تطري عليه وما يعرف يرد ويجلس يتحيَّس، هنا تكمن المشكلة الطفل ما تعرض لهذه المشاعر بالقدر الكافي ليتعلم كيف يتبادلها مع الآخرين، أنا أبدًا ما أتكلم عن خبرة وأعرف أن التربية أصعب شيء في الحياة، لكن أتكلم من رؤيتي للواقع.

تبادل المشاعر بين المربين وأبناءهم لا يجب أن يتوقف عند سن معين، يعني الطفل بعد ما يبدأ يعتمد على نفسه لا يجب أن تتوقف هذه المشاعر من الوالدين وهذا الأمر ألاحظه كثيرًا، الأحضان والقبلات وكلمات مثل "أحبك" لا يجب أن تختفي من قاموس البيت، بالعكس الطفل يحتاجها في مثل هذه المراحل أكثر من أي وقت آخر. وأعتقد أيضًا إن لما ينشأ الطفل في مثل هذه البيئة يكون منفتحًا اتجاه مشاعره مع والديه، تكون هناك ثقة أكبر في الحديث عن المشاعر معهم، وبيكونوا ملجأ حاله في الكثير من مواقف الحياة التي تتطلب شخص مر بتعقيدات هذه الحياة من قبل.

وتذكروا never too late -ما عرفت أترجم بطريقة صحيحة- (يمكن ليس متأخرًا أبدًا بس حسيتها ما واجد راكبه) عشان تنفتحوا بمشاعركم اتجاه من تحبون، ذكروهم دائمًا بأنكم تحبوهم. وفي النهاية حياة مليانه حب أتمناها لكم.

الأربعاء، 7 أكتوبر 2020

لا تبقَ بعيدًا

 حين يتعلق الأمر بخصوصيات الآخرين فأنا شخص غير فضولي، ولا أحب أبدًا أن أكون هذا الشخص. كما أنني لا أحب أن أكون عبئًا على الآخرين وأتدخل في أشياء ما تخصني، إلا حين يَطلب مني الشخص بنفسه ذلك. تلك الليلة وما حدث بعدها غير الكثير من معتقداتي حول هذا الموضوع.

كنت أمارس الركض خلف إحدى الوحدات في سكننا، وكنت أسمع بكاء يعلو وينخفض في الظلام، في البداية تجاهلت الأمر وقلت ترا البنت تعبر عن شعورها. وأنا مستمرة في ركضي لا زالت البنت تبكي وحدها، فقلت بكلمها من بعيد لو تحتاج مساعدة. اقتربت من مصدر الصوت " آسفة على الإزعاج بس أساعدش في شيء ؟" البنت مستمرة في البكاء بدون ما تتكلم، " تريدي أجيبلش شيء ؟ "، ولا زالت البنت تبكي، حاولت أخفف عنها بدون ما أعرف أصلًا أيش فيها " إن شاء الله كل شيء بيكون زين، ما تخافي " وكلام من هالقبيل. بعدين اتصلت أمها وما ردت البنت بس ناولتني الهاتف، كلمت أمها " السلام عليكم خالوه. كيف حالش ؟ معش فاطمة أنا حصلت بنتش تبكي وحدها خير صاير شيء ؟ ".

هنا كلمتني أمها وهي محاتيه واجد، البنت من منطقة بعيدة وأول سنة وما معها صديقاتها وما متكيفه في السكن ونظام الدراسة الجامعي، وتقول أمها من بدأ الفصل وهي على ذي الحالة أتصل فيها وهي تصيح وما عارفه أيش أسويلها. حاولت أطمن الأم "إن شاء الله بحاول أساعدها وما تحاتي بكون معها".

انتظرت البنت إلى أن هدأت، ثم بدأت أستوضح الأمر منها وخبرتها إن لو ما خبرتيني أيش تواجهي ما بقدر أساعدش، وما لازم تخبريني أنا، بس ضروري تسمحي لشخص يساعدش وإذا تحتاجي طبيب أو إذا تريدي تزوري مركز الإرشاد الطلابي أنا مستعدة أساعدش. يبدو أن البنت أمنت جانبي وبدأت تفضفض عن إنها ما عارفه كيف تذاكر وما تفهم في المحاضرات، وإن ما أحد عندها في السكن وما مرتاحه.

بالمناسبة هذه المرحلة يمر فيها تقريبًا كل طالب سنة أولى في الجامعة بسبب تغير البيئة الدراسية وبيئة المعيشة خصوصًا لو كان طالب في سكن، وتتفاوت في صعوبتها من شخص لآخر. أنا شخصيًا مررت بهالتجربة وإلي فاقم الأمر في تلك المرحلة رحيل أبي نهاية الفصل الأول لكن وجود الأصدقاء الرائعين في حياتي خفف الأمر، وكلمتها عن هذا الأمر وكيف بنفسي زرت صديقتي إلي كانت معي في نفس السكن وأخبرتها إني أحتاج أنتقل معها لنفس الغرفة. أحيانًا بعض الأمور في حياتنا تحتاج جهد من أنفسنا عشان تتعدل، الحزن العميق إلي كان في داخلي كان يخليني أصيح بشكل مفاجئ أنا وأذاكر أو قبل عن أنام كأنه بكاء فَقْد تلك اللحظة. لذلك أيقنت لابد من وجود صديق بجانبي دائمًا وكانت جيجي من يومها كتف تلك المرحلة وحتى النهاية.

اتفقت مع البنت تلك الليلة إن ما تآكل وحدها برسلها قبل كل وجبة، وإذا تريد تجي تذاكر في غرفتنا أو تجلس معنا أنا وصديقتي في أي وقت ما بنمانع. كل هذه الإتفاقيات بدون علم جيجي لكنني كنت أدرك إنها ما بترفض. ولا أعلم كيف تجرَّأت ذلك اليوم على دعوة شخص غريب لغرفتنا. رجعت ذلك اليوم للغرفة أخبرت جيجي بكل شيء.

ثم بدأنا بالتواصل أحيانًا تأكل معنا، أحيانًا تذاكر في غرفتنا، كم مرة استقبلتها جيجي وهي تصيح وترسل لي ما عارفه تتصرف.  ثم انتقلنا إلى غرف مفردة، فكانت البنت تشغل غرفتي أثناء عدم تواجدي في السكن عشان تذاكر ومرت الأيام والحمد لله البنت تحسنت قليلًا، لكن اضطرت لتأجيل الفصل الثاني.

ثم تقابلنا بعدها وكانت بأفضل أحوالها سألتها يومها عن أحوالها وأكدت لي أنها بخير، وآخر لقاء معها كان الفصل الماضي وهي داخله للمطعم مع صديقاتها وكانت مشرقة جدًا، وكنت واجد سعيدة ذاك اليوم لما شفتها بهذا الحال.

لا تنأى بنفسك ولا تبق بعيدًا حين ترى شخصًا يحتاج للمساعدة بحجة إحترام الخصوصيات، قد لا تكون عبئًا بالعكس تمامًا تكون المتنفس لهذا الشخص. قدم مساعدتك ولا بأس إن قوبلت بالرفض ربما لست الشخص المناسب للمساعدة في تلك اللحظة.

في النهاية:

" إزرَعْ جَميلاً ولو في غَيرِ مَوضِعِهِ
فَلا يَضيعُ جَميلٌ أينَما زُرِعا
إنَّ الجَميلَ وإن طالَ الزَّمانُ بِهِ
فَلَيس يَحصُدُه إلّا الذي زَرَعا "