حين يتعلق الأمر بخصوصيات الآخرين فأنا شخص غير فضولي، ولا أحب أبدًا أن أكون هذا الشخص. كما أنني لا أحب أن أكون عبئًا على الآخرين وأتدخل في أشياء ما تخصني، إلا حين يَطلب مني الشخص بنفسه ذلك. تلك الليلة وما حدث بعدها غير الكثير من معتقداتي حول هذا الموضوع.
كنت أمارس الركض خلف إحدى الوحدات في سكننا، وكنت أسمع بكاء يعلو وينخفض في الظلام، في البداية تجاهلت الأمر وقلت ترا البنت تعبر عن شعورها. وأنا مستمرة في ركضي لا زالت البنت تبكي وحدها، فقلت بكلمها من بعيد لو تحتاج مساعدة. اقتربت من مصدر الصوت " آسفة على الإزعاج بس أساعدش في شيء ؟" البنت مستمرة في البكاء بدون ما تتكلم، " تريدي أجيبلش شيء ؟ "، ولا زالت البنت تبكي، حاولت أخفف عنها بدون ما أعرف أصلًا أيش فيها " إن شاء الله كل شيء بيكون زين، ما تخافي " وكلام من هالقبيل. بعدين اتصلت أمها وما ردت البنت بس ناولتني الهاتف، كلمت أمها " السلام عليكم خالوه. كيف حالش ؟ معش فاطمة أنا حصلت بنتش تبكي وحدها خير صاير شيء ؟ ".
هنا كلمتني أمها وهي محاتيه واجد، البنت من منطقة بعيدة وأول سنة وما معها صديقاتها وما متكيفه في السكن ونظام الدراسة الجامعي، وتقول أمها من بدأ الفصل وهي على ذي الحالة أتصل فيها وهي تصيح وما عارفه أيش أسويلها. حاولت أطمن الأم "إن شاء الله بحاول أساعدها وما تحاتي بكون معها".
انتظرت البنت إلى أن هدأت، ثم بدأت أستوضح الأمر منها وخبرتها إن لو ما خبرتيني أيش تواجهي ما بقدر أساعدش، وما لازم تخبريني أنا، بس ضروري تسمحي لشخص يساعدش وإذا تحتاجي طبيب أو إذا تريدي تزوري مركز الإرشاد الطلابي أنا مستعدة أساعدش. يبدو أن البنت أمنت جانبي وبدأت تفضفض عن إنها ما عارفه كيف تذاكر وما تفهم في المحاضرات، وإن ما أحد عندها في السكن وما مرتاحه.
بالمناسبة هذه المرحلة يمر فيها تقريبًا كل طالب سنة أولى في الجامعة بسبب تغير البيئة الدراسية وبيئة المعيشة خصوصًا لو كان طالب في سكن، وتتفاوت في صعوبتها من شخص لآخر. أنا شخصيًا مررت بهالتجربة وإلي فاقم الأمر في تلك المرحلة رحيل أبي نهاية الفصل الأول لكن وجود الأصدقاء الرائعين في حياتي خفف الأمر، وكلمتها عن هذا الأمر وكيف بنفسي زرت صديقتي إلي كانت معي في نفس السكن وأخبرتها إني أحتاج أنتقل معها لنفس الغرفة. أحيانًا بعض الأمور في حياتنا تحتاج جهد من أنفسنا عشان تتعدل، الحزن العميق إلي كان في داخلي كان يخليني أصيح بشكل مفاجئ أنا وأذاكر أو قبل عن أنام كأنه بكاء فَقْد تلك اللحظة. لذلك أيقنت لابد من وجود صديق بجانبي دائمًا وكانت جيجي من يومها كتف تلك المرحلة وحتى النهاية.
اتفقت مع البنت تلك الليلة إن ما تآكل وحدها برسلها قبل كل وجبة، وإذا تريد تجي تذاكر في غرفتنا أو تجلس معنا أنا وصديقتي في أي وقت ما بنمانع. كل هذه الإتفاقيات بدون علم جيجي لكنني كنت أدرك إنها ما بترفض. ولا أعلم كيف تجرَّأت ذلك اليوم على دعوة شخص غريب لغرفتنا. رجعت ذلك اليوم للغرفة أخبرت جيجي بكل شيء.
ثم بدأنا بالتواصل أحيانًا تأكل معنا، أحيانًا تذاكر في غرفتنا، كم مرة استقبلتها جيجي وهي تصيح وترسل لي ما عارفه تتصرف. ثم انتقلنا إلى غرف مفردة، فكانت البنت تشغل غرفتي أثناء عدم تواجدي في السكن عشان تذاكر ومرت الأيام والحمد لله البنت تحسنت قليلًا، لكن اضطرت لتأجيل الفصل الثاني.
ثم تقابلنا بعدها وكانت بأفضل أحوالها سألتها يومها عن أحوالها وأكدت لي أنها بخير، وآخر لقاء معها كان الفصل الماضي وهي داخله للمطعم مع صديقاتها وكانت مشرقة جدًا، وكنت واجد سعيدة ذاك اليوم لما شفتها بهذا الحال.
لا تنأى بنفسك ولا تبق بعيدًا حين ترى شخصًا يحتاج للمساعدة بحجة إحترام الخصوصيات، قد لا تكون عبئًا بالعكس تمامًا تكون المتنفس لهذا الشخص. قدم مساعدتك ولا بأس إن قوبلت بالرفض ربما لست الشخص المناسب للمساعدة في تلك اللحظة.
في النهاية:
" إزرَعْ جَميلاً ولو في غَيرِ مَوضِعِهِ
فَلا يَضيعُ جَميلٌ أينَما زُرِعا
إنَّ الجَميلَ وإن طالَ الزَّمانُ بِهِ
فَلَيس يَحصُدُه إلّا الذي زَرَعا "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق