الخميس، 31 يناير 2019

لن تعود أنت

قبل ثلاث سنوات وقبل بداية الفصل الدراسي الثاني من سنتي الجامعية الأولى رددت أكثر من مرة أنني لا أريد الذهاب للجامعة وأنني أفضل الجلوس في البيت ، أختي الكبرى فطنت يومها أني كنت أعني ما أقول حقًا ووبختني " موه يعني تحسبي إذا جلستي في البيت بيكون فخور فيش ، ولا بترَّجعي إلي راح ؟ ".

كان حينها قد مر على رحيل والدي فقط ثلاثة أسابيع ، وكنت منهكة ومستهلكة نفسيًا ولا طاقة لي لمقاتلة الحياة ، وغير قادرة على تصور الخروج من البيت والعودة دون أن  أجد أبي في انتظارنا نهاية الأسبوع.

 لكن ها أنا ذا في الفصل الثاني من سنتي الجامعية الرابعة ولا يمكنني أن أقول أنني إعتدت على الأمر لأن الإعتياد معناه أن يموت شيء فينا ، لكنني تحاملت على نفسي من أجله في ذلك الفصل ؛ فلم أخذله وهو موجود فكان لزامًا عليَّ كما وبختني أختي الكبرى أن أحفظ عليه غيبته ، كان فصلًا سيئًا جدًا بكل ما تحمله كلمة السوء من معنى ، لكن في النهاية " سوف تشفى وتبني نفسك من جديد حول محور الرحيل الذي عانيت منه. سوف تكتمل مجددًا لكنك لن تعود أنت. لن تكون مثل السابق ، لن تعود أنت ولا يجب أن تتمنى ذلك ".


في النهاية كانت أم زوجة أخي صادقة حين قالت يومها " أتبكيَّنه اليوم وباكر وطول حياتكن مثلنا ؛ لأنه الأب واحد ما يتكرر".

الأربعاء، 23 يناير 2019

تجارة كتابة المشاعر

هل شاهدتم يومًا في أحد الأفلام كيف كان الناس قديمًا الذين لا يجيدون الكتابة والقراءة يذهبون لشخص يُملون عليه ما يرغبون بقوله لأحبائهم في رسالة ما وهو يكتبها ثم يقومون بإرسالها بالبريد. أظنني أجد نفسي هذا الشخص ولكن جميع الذين يطلبون مني يجيدون القراءة والكتابة سواء من العائلة والأصدقاء ، هل نواجه مشكلة في التعبير عن مشاعرنا اليوم بالرغم من علمنا باللغة ؟ 

أستاذة مريم درستني مقرر اللغة العربية في الجامعة كانت تتفق أننا اليوم نواجه مشكلة في التعبير عن مشاعرنا ، وكانت تقول أن المشكلة تبدأ من المحيط منذ طفولتنا وضربت أبسط مثال لنا عندما يمرض الطفل وتأخذه أمه للمستشفى تتحدث الأم عن ما يُحس به من ألم ويبقى الطفل صامتًا ، طبعًا بغض النظر أنه جانب أمومي -وكيف لطيف الموضوع وإن أمهاتنا يحسن بألمنا- المفروض أن الأم تدع الطفل هو يشرح ألمه وما يحس به.

وأنا أتسائل في كل مرة تصلني رسالة لأكتب في الحب هل لهذه الدرجة أنا غير قادرة على التعبير بمفردات مناسبة للشخص الذي اخترته ليكون شريك حياتي أوليس من المفترض أن تكون المشاعر فياضة ؟😕😅 ، أو أن أعبر عن فرحتي بمولودي الذي حملته في أحشائي تسعة أشهر ، أو أن أرص بعض الكلمات احتفالًا بتخرج أو ميلاد صديق. أوه صح لكم أن تتخيلوا أني أكتب في كل هالمناسبات وبدون حقوق 😂 ، اممم أفكر بتحويل الموضوع لتجارة كتابة المشاعر 🙄.

أنا بالطبع أتفهم مدى صعوبة التعبير عن المشاعر عند الكثير من الناس ولست هنا بصدد السخرية منهم ، أنا بنفسي أجد الخجل أحيانًا كثيرة عائقًا وخصوصًا التعبير الشفهي ، ولكن أجد أننا نحن من يصَّعب الموضوع على أنفسنا ، ولا أنكر أيضًا أن محيطنا لعب دورًا كبيرًا في كبت هذه المشاعر ، فاطمة اليوم أفضل حالًا في التعبير عن مشاعرها وأتذكر كيف كنت منذ سنوات يعجبني الشيء ولا أتكلم ، أحد المواقف تقريبًا كان عمري حينها ١٦ سنة اشترت أختي الكبرى شيئًا عبَّر إخوتي الموجودين عن إعجابهم به إلا أنا بقيت صامتة بالرغم من إعجابي به إلى أن قالت أختي " إلا فطيم ساكتة شكله ما عاجبنها " .

 التعبير عن المشاعر لا يحتاج لكلمات رصينة منمقة الموضوع أسهل من ذلك ، ببساطة نكتب ونقول مشاعرنا الصادقة -حتى وإن كانت بالعامية- المهم أن تكون صادقة ، وكم من رسالة وصلتني أجدها أقرب لقلبي من الرسائل المنمقة وكُتبت بالعامية لبساطتها وعفويتها وصدقها.

الأربعاء، 16 يناير 2019

تخصصي الرهيب

إختياري لتخصص الهندسة المدنية كان في سنتي الجامعية الأولى ، وتحديدًا بعد دراسة مادة مقدمة في الهندسة ، بالرغم من أن المحاضرة المخصصة للهندسة المدنية كانت أكره محاضرة إلا أنني وقعت في حبه . أذكر في ذلك الفصل أيضًا في مادة اللغة الإنجليزية للهندسة كان أحد المواضيع يتحدث عن الهندسة المدنية وتوسع الدكتور في شرحه للموضوع لدرجة تيقنت من خلالها أنه هو التخصص الذي أرغب بدراسته والتعمق فيه.

وفي نفس السنة أيضًا كونت شبكة واسعة من المعارف في المجمع مع البنات الأكبر مني سنًا ومن مختلف تخصصات الهندسة. كنت أنتظر صديقتي يومها في دوار المجمع حين التقيت بزميلتين يكبرنني بسنتين يدرسن الهندسة المدنية ، تبادلنا أطراف الحديث ووصلنا للتخصص ، بدأت أشرح مدى إعجابي بتخصص الهندسة المدنية وعن حماسي لفهم توزيع القوى في العوارض والأعمدة -بإمكان الذين يعرفونني شخصيًا أن يدركوا حماسي عندما أُعجب بشيء 😂- ، في نهاية حديثنا قالت إحداهن " أيبينلش البيم والكولم يوم غايته " أنا وقفت منصدمة من قولها حتى ما عرفت مو أرد.

عمومًا ما أرمي إليه أنني الآن في سنتي الجامعية الرابعة ، ولا أرى سوى الجمال في البيم والكولم ، أنا أعلم أن قدراتنا   تتفاوت -وطبعًا أنا ما من شطارتي بس أقصد من ناحية الفهم والحب- مع هذا التجربة التي تمر بها ليست بالضرورة تنطبق على غيرك ، وإذا كنت تواجه عقبات في التخصص لا يعني أن الكل يواجه مثلها ، أو أن الشخص قد يواجه مثلها لكن لديه القدرة على تجاوزها ، لذلك " إذا رأيت شخصًا متفائلًا ... مقبلًا على الحياة ، أرجوك لا تفسد عليه ذلك ، إن لم تقتبس شعلة من ضيائه فلا تطفئه ، وإن لم تشجعه فلا تحبطه ، وإن لم تكن دافعًا له فلا تثبطه ، دعه سعيدًا في عالمه ، يلاحق أحلامه وآماله وإنجازاته كما يحب ".

الجمعة، 4 يناير 2019

" أتكبر وتنسى "

لا أحصي عدد المرات التي غضبت فيها في طفولتي عندما كنا نلعب "صياد" ؛ لأني حرفيًا لا أستطيع تفادي الكرة عندما تتوجه نحوي مباشرة ، كنت أخافها كثيرًا ليس ذلك الخوف الطبيعي الذي يتملك أي لاعب من أن تمسه الكرة ، أحيانًا كنت أغلق وجهي بكفي كلما اتجهت نحوي ، أو أحتمي بأقرب جدار ، لقد كنت فاشلة جدًا في هذه اللعبة وأعتقد ما كان أحد سيرغب بضمي لفريقه في اللعب لولا شخصيتي القيادية آنذاك مع أقراني ، وشخصيتي البغيضة عندما كنت ألعب مع أخواتي الأكبر مني سنًا حيث خيار رفضي لم يكن متاحًا ؛ لأني  سأخبر أمي ولن يكن مسموحًا لهن باللعب.

فكرت في هذا الأمر خلال فترة التحضير للإمتحانات النهائية هذا الفصل كلما جلست أتأمل الحياة - ويا كثرها التأملات في الحياة خصوصًا في مثل هذه الأيام ، حيث يستيقظ الحكيم فجأة - . عمومًا ، أزعم أنني وصلت لمعرفة سبب خوفي من الكرة.

لا أتذكر كم كان عمري لكن كنت صغيرة جدًا لأن الذكرى مشوشة جدًا : أخرج من بيتنا عصرًا ، يلعب أبناء الحارة كرة القدم في الساحة بين بيتنا وبيت عمي ، وأنا أمشي لألتحق بأقراني يركل عبدالعزيز الكرة بكل ما أوتي من قوة ، لا يستطيع حارس المرمى صدها وبما أن المرمى كان عبارة عن   حجرتين تتجه الكرة مباشرة باتجاهي وترتطم بذقني ولا أدري أي قوة احتكاك سمحت بإزالة هذا القدر من جلدي . لا أعلم ماذا حدث بعدها ، لكن لا زالت لدي ذكرى صراخي في المركز الصحي أثناء تخييط الجرح ، بالإضافة لندبة خياطة واضحة في ذقني حتى الآن. أختي الأكبر مني تقول أن أمي عنفتها بشدة ذلك اليوم ، بالرغم أن لا دخل لها بالحادثة -أعتقد أن الأمهات يفرغن خوفهن في مثل هذه اللحظات بهذه الطريقة-.

أنا لا أحب أبدًا مقولة " أتكبر وتنسى " ، من قال أن الطفل ينسى ، أنا أعتقد أن الخوف أو الألم الذي نشعر به ونحن بعمر صغير يظل محفوظًا بداخلنا لكنه يتحول إلى شكل آخر تمًامًا مثل قانون الطاقة .  وهذا ما أستطيع برهنته بقصتي هذه ، نظرية أخرى أضيفها لقائمة النظريات الفاطمية.