الأحد، 12 يناير 2020

" أبي.. لم يَزلْ بيننا "

لا زلت أشعر بيد الحياة تدفعني على حين غفلة من ظهري نحو ذلك الجرف السحيق ، في تلك الظهيرة من ذلك اليوم. كان مبكرًا جدًا كنت قبلها بأربعة أيام قد أتممت عامي الثامن عشر فقط ، كان مبكرًا جدًا أن أعيش ذلك السقوط. تفاصيل ذلك اليوم عالقة في ذهني كنا بخير ، كان بخير ، حتى أنني أخاف أن أصعد الغرفة أضع رأسي على الوسادة ويأتي الطارق أباكِ مريض!

" ضَلالٌ!
أنا لا يموتُ أبي
ففي البيت منه
روائحُ ربٍّ.. وذكرى نَبي "

في يوم ميلادي الأخير ، وقفت أتأمل الأربع سنوات الماضية ؛ لقد كبرت حقًا !.. مجريات الحياة ، الدراسة ، الأصدقاء الجدد في حياتي كل هذه الأشياء كانت كفيلة بأن تجعلني أنضج وتوسع آفاقي وفكري . خلال الأربع سنوات الماضية تغيرت الكثير من الأشياء في شخصيتي ، نظرتي للحياة وللأشخاص من حولي . يومها كنت في سنتي الأولى من الجامعة ، وكنت لا زلت في طور الإنتقال من المحيط الضيق " المدرسة ، الحارة والبيت " إلى محيط الدراسة الجامعية الأوسع والأكثر أثرًا ، ولا زلت أتساءل ما الضرر لو أمهلتنا الحياة أكثر!.. فلا زلت أحتاج نظرة الرضى منه ليبارك بها طرقي التي أختارها لنفسي.

" أبي يا أبي .. إنَّ تاريخَ طيبٍ
وراءكَ يمشي، فلا تَعْتَبِ..
على اسْمِكَ نمضي، فمن طّيِّبٍ
شهيِّ المجاني، إلى أطيبِ "

حين عدت من التدريب في ألمانيا الصيف الماضي ، كانت أختي وأخي الكبير في استقبالي ، كان أول شيء قاله أخي " كبرت فطوم ". أفتقده جدًا في هذه اللحظات كان يجب أن يكون حاضرًا ليرى ما رآه أخي الكبير فيَّ.

" أبي.. لم يَزلْ بيننا "

أربع سنوات ونحن لا زلنا نبكيه شوقًا ، حبًا واحتياجًا. نبكيه في التفاصيل في الفاكهة المقشرة، في هدوءه ووقاره ، في إبتسامته الهادئة جدًا وفي صوت الأذان. أحن كثيرًا لتشجيعه بكلمة " فنان " إذا أُعجب بطبخة صنعتها. أحن كثيرًا لنداء " باه " ، أذكر رجفة القلب من فترة ليست بالطويلة كنا في السيارة عائدين من رؤية الوادي بعد المطر وأمي تخاطب ابنة أخي وكنت أظن أنها تخاطبني ، تقول " تو نرجع البيت وأنخبر أبوش يشلنا العين -مزرعتنا- " ، لما قالت " أبوش " أنا انتفض قلبي ، صدى الكلمة في قلبي من فراغها مؤلم جدًا ، بعدها انتبهت أنها تخاطب ابنة أخي.

" بقاياهُ، في الحُجُرات الفِساحِ
بقايا النُسُور على الملعبِ
أجولُ الزوايا عليه، فحيثُ
أمرُّ .. أمرُّ على مُعْشِبِ
أشُدُّ يديه.. أميلُ عليهِ
أُصلِّي على صدرهِ المُتْعَبِ "

مع هذا " أبي.. لم يَزلْ بيننا " ، في قلب أمي التي لا زالت تحبه كثيرًا ، وتعتني بكل شيء يخصه ، أهله وحتى
أصدقاءه فإذا مرض أحدهم أو مرَّ بمصيبة تأمر إخوتي " فلان مريض ترا كان صديق أبوكم روحوا زوروه ، أو روحوا عزوه ، أو خالة أبوكم مريضة بنروح نزورها ، أو ولد خال أبوكم عنده مناسبة ". " أبي.. لم يَزلْ بيننا " في قلب أخي الكبير الذي احتوانا بكل حب وكأنَّ أبي قد أودع قلبه عنده. في كل الحب الذي يجمعنا كعائلة سعيدة متماسكة ، فحين يدخل الحزن إلينا من شقوق الجدران تهب أيدينا جميعًا لتغلقه.

" أبي خَبَراً كانَ من جَنَّةٍ
ومعنى من الأرْحَبِ الأرْحَبِ "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق