الثلاثاء، 31 يوليو 2018

الزائر الغريب

تناولت إحدى غدف -جمع غدفة ولها مصطلحات مختلفة في مناطق السلطنة وهو عبارة عن شال عريض- أمي من خزانتها الممتلئة لأؤدي الصلاة ، لبستها فإذا برائحتها مختلفة ليست رائحة أمي ولكنها ليست غريبة ، حاولت أن أتذكر وأنا أرى الغدفة وأشمها ، رائحة من هذه ؟ ... تذكرت بعد أن اعتصرت مخي قليلًا ، تعود هذه الغدفة لخالتي زيانة رفيقة أمي كانت ترتديها يوم وفاتها قبل أكثر من ثلاث سنوات حيث وافتها المنية في منزلنا .. ياااه كيف نموت ويبقى من نحب يتشبث ولو بشيء يسير من رائحتنا !

خالتي زيانة رفيقة أمي إمرأة عمياء منذ طفولتها ، بعد طلاقها من زواجها الأخير انتقلت للعيش مع أخيها الذي هو جارنا ومن معارفنا المقربين حتى قبل أن ننتقل للعيش في المنطقة التي نقطن فيها الآن فنحن ننتمي لنفس منطقة الأصل ، كصديقة مخلصة اعتنت أمي حرفيًا بجميع شؤون خالتي زيانة مواعيدها الدورية في المركز الصحي ، مستلزماتها بالإضافة أنها كانت تسعد برفقتها فكانت تقضي أغلب مشاويرها الإجتماعية معها ، في المقابل اعتبرتنا هي بمثابة بناتها تربينا على يديها منذ طفولتنا .

كانت ليلة الجمعة وكنا نتناول العشاء مع إخوتي العائدين من مسقط ، سمعنا أمي تتحدث في صالة المنزل فعرفنا أن خالتي زيانة معها ، أقل من خمس دقائق وسمعنا أمي تنادينا مستنجدة كنت أول الواصلين للصالة وكانت أمي تحاول أن تسقيها الماء لكن دون جدوى ، أسرعت أختي قامت بقياس نبضها ونقلها إخوتي وأبي للمركز الصحي ولكن كانت قد فارقت الحياة . دخلت يومها منزلنا سألتها أمي هل تعشت -لأنها يجب أن تأخذ أدويتها- لكنها قالت أن لا رغبة لها في العشاء حاولت أمي معها لكنها أبت ، أشغلت أمي التلفاز لتنتظر الأخبار سمعتها تتحشرج فجأة إلتفتت نحوها وهي تقول " تشرقتي زيانة أناولش ماي ؟ " رأت أن لونها بشرتها قد إصفر .

عندما أفكر في أمر الموت هذا الزائر الغريب ، وكيف أننا فجأة ، هكذا فجأة في ثواني معدودة نرحل من هذه الحياة كأننا لم نكن ، نتلاشى أو نتبخر كقطعة ثلج في يوم حار جدًا لكن التبخر بطيء لنقل أننا نتسامى فحسب ، مخلفين ورائنا قلوب مثقوبة دون أن نشعر ، إنه أمر عميق عميق حقًا . سألتني أختي ليلة أمس عن شعوري اتجاه الموت ، هي تقول بأن لديها الفضول لمعايشته لكن الخوف يساورها في نفس اللحظة . الموت بالنسبة لنا كائن مجهول وستار أسود غامض لا نعرف ما يخفي خلفه وطبيعة الإنسان أن يتوجس من المجهول ، نسأل الله حين يزورنا أن يكون زائرًا خفيفًا علينا ، آمين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق