الثلاثاء، 31 يوليو 2018

الزائر الغريب

تناولت إحدى غدف -جمع غدفة ولها مصطلحات مختلفة في مناطق السلطنة وهو عبارة عن شال عريض- أمي من خزانتها الممتلئة لأؤدي الصلاة ، لبستها فإذا برائحتها مختلفة ليست رائحة أمي ولكنها ليست غريبة ، حاولت أن أتذكر وأنا أرى الغدفة وأشمها ، رائحة من هذه ؟ ... تذكرت بعد أن اعتصرت مخي قليلًا ، تعود هذه الغدفة لخالتي زيانة رفيقة أمي كانت ترتديها يوم وفاتها قبل أكثر من ثلاث سنوات حيث وافتها المنية في منزلنا .. ياااه كيف نموت ويبقى من نحب يتشبث ولو بشيء يسير من رائحتنا !

خالتي زيانة رفيقة أمي إمرأة عمياء منذ طفولتها ، بعد طلاقها من زواجها الأخير انتقلت للعيش مع أخيها الذي هو جارنا ومن معارفنا المقربين حتى قبل أن ننتقل للعيش في المنطقة التي نقطن فيها الآن فنحن ننتمي لنفس منطقة الأصل ، كصديقة مخلصة اعتنت أمي حرفيًا بجميع شؤون خالتي زيانة مواعيدها الدورية في المركز الصحي ، مستلزماتها بالإضافة أنها كانت تسعد برفقتها فكانت تقضي أغلب مشاويرها الإجتماعية معها ، في المقابل اعتبرتنا هي بمثابة بناتها تربينا على يديها منذ طفولتنا .

كانت ليلة الجمعة وكنا نتناول العشاء مع إخوتي العائدين من مسقط ، سمعنا أمي تتحدث في صالة المنزل فعرفنا أن خالتي زيانة معها ، أقل من خمس دقائق وسمعنا أمي تنادينا مستنجدة كنت أول الواصلين للصالة وكانت أمي تحاول أن تسقيها الماء لكن دون جدوى ، أسرعت أختي قامت بقياس نبضها ونقلها إخوتي وأبي للمركز الصحي ولكن كانت قد فارقت الحياة . دخلت يومها منزلنا سألتها أمي هل تعشت -لأنها يجب أن تأخذ أدويتها- لكنها قالت أن لا رغبة لها في العشاء حاولت أمي معها لكنها أبت ، أشغلت أمي التلفاز لتنتظر الأخبار سمعتها تتحشرج فجأة إلتفتت نحوها وهي تقول " تشرقتي زيانة أناولش ماي ؟ " رأت أن لونها بشرتها قد إصفر .

عندما أفكر في أمر الموت هذا الزائر الغريب ، وكيف أننا فجأة ، هكذا فجأة في ثواني معدودة نرحل من هذه الحياة كأننا لم نكن ، نتلاشى أو نتبخر كقطعة ثلج في يوم حار جدًا لكن التبخر بطيء لنقل أننا نتسامى فحسب ، مخلفين ورائنا قلوب مثقوبة دون أن نشعر ، إنه أمر عميق عميق حقًا . سألتني أختي ليلة أمس عن شعوري اتجاه الموت ، هي تقول بأن لديها الفضول لمعايشته لكن الخوف يساورها في نفس اللحظة . الموت بالنسبة لنا كائن مجهول وستار أسود غامض لا نعرف ما يخفي خلفه وطبيعة الإنسان أن يتوجس من المجهول ، نسأل الله حين يزورنا أن يكون زائرًا خفيفًا علينا ، آمين .

الثلاثاء، 5 يونيو 2018

أبتسم ، أضحك

في أول ليلة وترية من العشر الأواخر من شهرك الفضيل الذي أكرمتنا بصيامه إلهي ، سأكتب عن الأشياء التي تجعلني أبتسم وأضحك فاجعل يا رب ما تبقى من عمري مليئًا بالإبتسامات والضحكات ، وأمد في إبتسامة أمي طويلًا ما حييت وارزقني ملاقاة أبي باسمًا بشوش الوجه يوم الدين.

ذكرياتي مع أخي عُمر تجعلني أبتسم دائمًا عندما أتذكرها ، عُمر أصغر إخوتي الذكور يكبرني بثماني سنوات بالرغم من هذا الذكريات التي أحتفظ بها معه تفوق الذكريات مع أختي التي تكبرني بأربع سنوات لا أعرف لماذا وأسأل أختي دومًا "هين كنتي لما كنت صغيرة ؟ " . عُمر منذ طفولتي وهو أخ مشاكس وظيفته الأساسية "المغايرة" ولم يتغير أبدًا -وأعتقد أني أحبه لهذا السبب "فالسنور يحب خناقه"- ، عندما كنت صغيرة كان يحملني رأسًا على عقب ويدخلني في فتحة الغسالة ويقول لي " قولي مستسلمة ولا أعقش في الماي " وأنا أكابر بأن لا أستسلم إلى أن يبدأ بإنزال رأسي باتجاه الماء شيئًا فشيئًا وهو يردد " قولي مستسلمة " إلى أن أقولها دومًا قبل وصولي إلى الماء. كان أيضًا يمسكني بإحدى يديه ويقوم بما يسميه " بالتخدير " كان يقوم بضربي بقبضة يده الأخرى -بوكسات- في منطقة الفخذ وأنا أكاد أموت من الضحك وأحاول الفرار وهو يردد " استسلمي " إلى أن أستسلم ويفلتني وأنقض عليه بالضرب وهو يقول " دوش ضربي أنا ما بسوي شي ". وكان يدس الفلفل أمامي دون أن أنتبه أثناء الأكل ، والوقت المفضل له عندما كنت أشاهد التلفاز يدغدغ رجلي أو يسحب شعري سحبًا خفيفًا من الخلف المهم أن لا أجلس براحة وأنا أشاهد وكنت أصرخ دومًا " ماااه شوفي عُمر نازعيه " أمي لم تكن توبخه مطلقًا -في الحقيقة أمي تحب عمر كثيرًا- سوى عباراتها المشهورة إلى الآن له " عمر حط اخواتك ".

في بيتنا لم يكن مسموحًا -وإلى الآن- بالشتائم والسب ، لذلك أبتسم وأنا أتذكرني فاطمة الطفلة الغاضبة التي لا تجيد السب وبدلًا من ذلك أصرخ بأعلى صوتي-مستغلة أني أمتلك نبرة حادة قد تكون مزعجة أكثر من قول الشتائم- إذا ضايقني أحد وأردت أن أسبه وأنا أبكي أحيانًا " انته/انتيه ثلاجة ، انته/انتيه فرن ، غسالة ، تلفزيون " وهكذا أعدد الجمادات إلى أن أشفي غليلي.

أبتسم عندما أتذكرني وأنا متضايقة من أبي إذا وبخني أو أمي ، أجلس تحت أحد الأشجار في منزلنا وأتوعد بترك المنزل وأنني سأبني بالمال الذي كنت أجمعه-في طفولتي كنت أقوم بوضع مائة بيسة من مصروفي كل يوم في حصالة- غرفة تحت أحد أشجار السمر المنتشرة في السيح وكنت أردد بصوت عالي " بتشوفوا! " ... وعلى هذه الحال إلى أن أهدأ.

أنا لا أستطيع مقاومة الضحك إذا سقط أحد أمامي أو تعثر أثناء المشي -أعلم أنها عادة سيئة لكنني أضحك لا إراديًا- ومن الطبيعي أن أتذكر الموقف حتى لو بعد أشهر وأضحك كأنه حدث تلك اللحظة، في أيام المدرسة كم مرة حدث وتعثرت أستاذة أثناء الشرح ولم أستطع كتمان ضحكتي ، ومن وقت ليس ببعيد كنت أمشي في طريق الحرير -الطريق الذي يربط مجمع سكننا في الجامعة بمواقف مبني علوم الأرض- تعثرت فتاة أمامي وضحكت في وجهها لم أستطع حقًا ، بعدها بأسبوع سقطت في نفس المكان بالضبط !

برفقة صديقتي شهد أضحك وأبتسم كثيرًا لأنها تضحك من أسلوبي وردودي التي لا أراها مضحكة أبدًا ولا أعتقد أن أحدًا يراها مضحكة سواها ، ترافقنا في مادة الكالكولس وكان من أجمل الفصول وأكثر الفصول التي ضحكت فيها على الإطلاق.

أضحك من قلبي بسبب تعليقات أمي عندما تغضب من أختي هالة إذا طرشتها -ما قدرت أجيب مصطلح ثاني- لإحضار شيء أو دار بينهما حوار لأنَّ هالة تسأل كثيرًا لدرجة منرفزة تجعل الواحد يندم أنه طلب منها إحضار شيء أو فتح معها موضوع ، مثال من وقت ليس ببعيد : " الهليل روحي جيبي المقص من الكبت الوسطي" دخلت الغرفة ونادت " ماه الكبت بو في الغرفة " " هاءه بو في السطح ! " ، هي في الحقيقة كانت تريد أن تسأل أي خزانة لكن خانها التعبير ولم تنتبه أن أمي قالت "الوسطي" ، في الواقع قبل قليل كان هناك حوار بين أمي وهالة توقفت عن الكتابة لأضحك.

لا شيء يجعلني أبتسم في الوقت الحالي كما تفعل نور ابنة أختي -عمرها 5 أشهر- هذه الفتاة لا أعلم كيف ألقى الله محبتها في قلبي إبتسامتها تجعل قلبي يُزهر ، أحب قضاء الوقت في تأملها والإبتسام.


الأربعاء، 23 مايو 2018

تجربتي في جماعة الهندسة المدنية والمعمارية

ملاحظة : كتبت بداية هذه المدونة ليلة الثاني من مايو لكنني لم أكملها.

مساء أمس الأول من مايو طوينا في أمسيتنا الختامية جهد سنة كاملة في الجماعة ، لذا قررت أن أكتب اليوم عن  تجربتي كإدارية في جماعة الهندسة المدنية والمعمارية تخليدًا لأجمل تجاربي في الجامعة.

قضيت سنتين من حياتي الجامعية دون مشاركات تذكر في الجماعات والأنشطة الجامعية إلا لمامًا أولًا في مجموعة الخدمة الإجتماعية ، ثم في الجماعة الهندسية كعضو عادي ..السبب الرئيسي الذي كان يمنعني من الإنخراط في الجماعات بشكل فعال ظني أنني لا أستطيع أن أوازن بين شيئين في الحياة مطلقًا -وهذا إعتقادي منذ أيام المدرسة - لذا فضلت التركيز على الدراسة وهذا أمر محزن فحتى في الفصل الأول من سنتي الجامعية لا أذكر قيامي بشيء غير حضور المحاضرات والمذاكرة.

  كيف دخلت لـ CAES ؟.. أذكر في أيام الإعداد للمعرض الهندسي 2016/2017 إلتقيت أثناء خروجي من مختبر الإنشاءات بإحدى الخريجات -أعرفها مسبقًا كنت قد عملت معهم في بداية السنة على تنظيم فعالية لشركتهم- . بعدها بأسبوعين أرسلت لي تستشيرني في أن أترشح كنائبة في الـCAES ، من هنا دخلت للجماعة. أخذني الحماس متناسية أنني أفتقر لخبرات كثيرة كوني لم أشغل أي منصب إداري من قبل، كنت أؤمن أني مؤهلة لكن حتى بعد قضاء سنة كإدارية في الجماعة  الآن لا أعتقد أني أستطيع أن أكون في هذا المنصب.

بعد تشكيل الإدارة استلمت مع زميلي سلطان البوسعيدي لجنة الدعم والإسناد، مهمة اللجنة الرئيسية هي استخراج التصاريح وكتابة الرسائل للجهات المعنية ، بالإضافة لتوفير الحجوزات والأدوات اللازمة لكل فعالية. قبل بداية الفصل الأول استلمت مع زميلي عقيل العجمي الأمسية الإفتتاحية وكانت في الحقيقة ثقة كبيرة من إدارة الجماعة فأنا لم أعمل سابقًا -حتى دورًا ثانويًا- في التحضير لأي أمسية. قمت بكتابة تصور الأمسية، وقمنا بتصوير المشاهد التي عرضت في الأمسية خلال الإجازة الصيفية ، مع الخبرة التي كان يمتلكها عقيل بالإضافة لتعاون إداريي الجماعة كافة استطعنا أن نخرج بأمسية إفتتاحية مبشرة بسنة مليئة بالإنجازات الرائعة. كنت يومها متوترة جدًا كونه أول عمل لي لكنني مع نهاية الأمسية كنت فخورة جدًا بالعمل الذي قدمناه.

في فعالية وطن غير الحجوزات والتصاريح، استلمنا أنا وزميليَّ بدر العبري وسلطان البوسعيدي الـ rolling bridge ، لكن في الحقيقة كان العمل من جانبي محدودًا جدًا كون طبيعة العمل فيه - ما أعرف كيف أصيغها بس يعني شغل شباب أكثر مثل استخدام الدريل والمطارق لتثبيت الأخشاب-.

العمل الحقيقي والكبير بالنسبة لي في الجماعة كان في معرض c-cube حيث استلمت وزميلي سلطان لجنة الديكور في المعرض، أتذكر أثناء إعداد التصور لديكور المعرض والمناقشات الطويلة في مجموعة اللجنة كانت فكرة أننا تسرعنا في قرار إمساك مثل هذه اللجنة المهمة تدور في رأسي. كان التحدي الحقيقي بعد إعداد التصور هو تحويله للواقع وكان هذا الجزء الأصعب ، لكن اللجنة كانت محظوظة جدًا بزميلي سلطان وببعض الأعضاء الذين وهبوا الكثير من وقتهم للعمل على الأجزاء التي استلموا الإشراف عليها، والهيئة التي ظهر بها الديكور في المعرض لم تكن إلا بتكاتف الجميع سواء من أعضاء اللجنة أو من أعضاء وإداريي الجماعة ككل.

لم أواجه أي ضغوطات أثناء العمل في الجماعة ، إلا أثناء مرحلة الإعداد للمعرض فقد كانت المرة الأولى التي أستلم فيها شيئًا كبيرًا كلجنة الديكور، وكان يتطلب مني التضحية بالكثير من الوقت والموازنة مع التحضير لامتحانات منتصف الفصل كون المعرض كان في الأسبوع التاسع - بالإضافة لتضحية عظمى وهي عدم العودة للمنزل في نهاية الأسبوع لمدة أسبوعين- فالكثير من العمل كان علينا إنجازه في إجازة نهاية الأسبوع. لم يكن التعامل مع هذا الضغط سهلًا في الحقيقة وبكيت عدة مرات حين تعقدت بعض الأمور، أسلوبي مع أصدقائي تأثر كثيرًا خلال هذه الفترة كنت -دفشه- معهم وهذا ما لم يعتادوه مني. كنت سعيدة في نهاية المطاف مع النتيجة التي رأيناها في المعرض.

تعلمت من الجماعة الكثير ومن المستحيل أن أتعلمه لو لم أنخرط فيها فعملي مع إداريي الجماعة ومع الخبرات التي يمتلكوها كانت بيئة مناسبة لصقل قدراتي ومهاراتي، العمل فيها كان ممتعًا جدًا، وهي تجربة أستطيع بثقة تصنيفها أجمل التجارب في حياتي الجامعية إلى الآن ، كما أن أسابيع الإعداد للمعرض والعمل في لجنة الديكور كانت الأثرى على الإطلاق. 

السبت، 5 مايو 2018

أول مرة

المرة الأولى والأخيرة التي أتمرد فيها في حياتي المدرسية عندما هربت من الروضة ، في الحقيقة لم تكن فكرتي كنا نلعب مع الأطفال وقت الفسحة عندما جاءني ابن عمي "خلا نشرد ونروح نشتري سندويكة من المطعم "، هربنا وفي السوق وجَدنا أبي وأعادنا للروضة ، الغريب في الأمر أن أمي لم توبخني يومها ، عندما عدت من الروضة سألتني فقط " ليش شاردين من الروضة ؟" ، " ماه هذا إبراهيم قال لي".

 الصلاة الرسمية الأولى لي -أقصد بكامل الأركان وبإتمام الركوع والسجود- كانت في الصف الثاني ، كان الوقت ظهرًا عندما أنهت أختي الكبرى تدريبي على الصلاة بعد أسابيع من التعليم صليت صلاة العصر ، كنت فرحة جدًا وأخبرت ابنة عمي ونحن في طريقنا لمدرسة القرآن وأكدت عليها " ما تخبري أستاذة أمل! " كنت أشعر بالخجل لأنني كنت أعتبر نفسي كبيرة ولم أبدأ الصلاة إلا يومها ، مع هذا أخبرت ابنة عمي معلمة القرآن ونفيت أنا الخبر بقولي " أصلي من زمان بس هي أول مرة تشوفني".


 أجدت تجديل الشعر لأول مرة في الصف الثاني ، كنت أتدرب دائمًا على شعر ابنة عمي في مدرسة القرآن أثناء انتظاري لدوري في القراءة ، عُدت يومها من مدرسة القرآن وأنا أحمل هذا الخبر بسعادة ، أخبرت أختي الكبرى " عرفت أَسُف شعر خدوج " .. " هذا بو تتعلميه في مدرسة القرآن ! ".

انكسرتُ لأول مرة في الصف الثالث ، كنت في فريق الجمباز في المدرسة وكنا أثناء التدريب نحمل كرسي خشبي انفلتت يديَّ أثناء حمله وسقط على أصابع قدمي وهشم عظمي آخر إصبعين من قدمي، لا زلت أشعر بالألم يدوي في قلبي.

في الصف الثالث سرقت لأول مرة وآخر مرة ، كنا في أحد محلات النساء في البلدة وكأي فتاة كنت أحب أحمر الشفاه لكن أمي كانت ترفض شرائه لي ، لذلك قمت باستغلال الفرصة عندما كانت أمي تتحدث مع البائعة وأدخلت أحمر الشفاه في جيبي وكنت أستخدمه سرًا ( وهذه كانت بداية الطريق لأصبح فاشنيستا ).

دخلت مركز الشرطة لأول مرة في الصف الرابع  للتحقيق ، كانت معلمتي قد ضربتني في يدي حتى كسرت إبهامي ، الطبيب رفض معالجتي قبل تحقيق الشرطة ، لا زلت أتذكر أمي وهي تخبرني قبل أن أنزل من السيارة برفقة أبي لداخل مركز الشرطة " ما تخافي ، قولي الحقيقة بس".


لأول مرة أرقد في المستشفى -وإن شاء الله تكون الأخيرة- في الصف الرابع ، عندما أصبت بإسهال حاد ، أثناء ما كنت أدخل لما بعد الباب الذي يقف فيه الشرطي كنت سعيدة وكان محياي تعلوه إبتسامة بالرغم من محاولاتي الفاشلة في إخفائها فقد كان المكان ما بعد هذا الباب يشكل لي لغزًا وكان استكشافه ممتعًا.

صنعت كعكة لأول مرة في الصف الرابع ، أتذكر رفض أختي إعطائي للوصفة لأنني صغيرة ، فذهبت لابنة عمي الكبرى وكانت نائمة أيقظتها وأخبرتها أني أريد مكونات الكعكة العادية ، صنعتها لكنها كانت صلبة نوعًا ما لأن ابنة عمي نست أن تخبرني أن الحليب يجب أن يكون سائلًا ، وهذه بداية شغفي بالأكل والطبخ.

رأيت أمام ناظري أول أقربائي يحتضر في الصف الرابع وكانت جدتي - طيب الله ثراها- ، أتذكر عصر ذلك اليوم كنت مع أمي ومررنا بأحد المحلات واشترت أمي كفنًا وسألتها " ماه ليش تشتريي كفن ؟ مين أيموت ؟ " ، " أستحده !" .. في الساعة العاشرة من ذلك اليوم توفيت جدتي.

قبل بداية مرحلة جديدة في مدرسة جديدة لدغني لأول مرة - وإن شاء الله- آخر مرة عقرب قبل أسبوع من الصف الخامس ، كنت عائدة من السوق برفقة صديقتي وأمها عندما أحسست بقرصة في كعب قدمي ، توقفت " خالتي فاطمة لحظة شي قرصني " أدرت وجهي وإذا بي بعقرب كبير فانهرت باكية ، اتصلوا بأبي ، أخذني للمستشفى وأعطيت الإبر اللازمة وأنا أبكي بكاء هستيريًا ، لم أنم تلك الليلة أبدًا كان جسمي كله يتنمل.

في الصف الخامس كانت ختمتي الأولى للقرآن على يد معلمتي -جزاها الله عنا خير الجزاء- ، كنت فخورة بنفسي وفرحة وكنت أبتسم في كل مرة يُؤمن من حولي معي أثناء قراءتي لدعاء ختم القرآن ، إلا أنني كنت غاضبة وبشدة لأن نوع البطاطس الذي سأوزعه للحاضرين بمناسبة ختمي للقرآن -وكانت هذه العادة معنا- ليس الذي أخبرت أمي عنه ، فقد نست أن تخبر أبي بالنوع الذي طلبته.

أول نثر كتبته كان في الصف الثامن ، قرأته لأختي يومها وأتذكر ردها " ناقلتنه هذا من مكان ؟ ".

الرواية الأولى التي اشتريتها بمصروفي واختياري كانت في الصف الثامن ، كنا في رحلة من المدرسة لمعرض الكتاب واشتريتها ، كانت ممتعة جدًا وهي بداية دخولي لعالم الروايات.

لبست النظارات لأول مرة في الصف الثامن ، فقد لحقت بإخوتي السابقين لي ،  كنت أجلس في الطاولة الأولى في الصف وكنت دائمًا أتذمر من أقلام الأستاذات أنها غير واضحة ، أدركت أن لدي مشكلة عندما اقتربت من السبورة في أحد الأيام أن الألوان بكامل بريقها.

بكيت أول مرة في حياتي صباح العيد في العيد الأول بعد زواج أختي الكبرى ، اعتادت أختي الكبرى على صنع الفطائر فجر كل عيد لنفطر به ، كنت ألازمها دومًا أثناء صنعها للفطائر منذ أن كنت في الإبتدائية ، لذلك فجر ذلك اليوم وأثناء تجهيزي للعجين وحيدة دونها بكيت كثيرًا.

أول مرة أحظى بشرف امتلاك قنينة عسل خاصة بي ومن السدر الطبيعي عندما كنت في الصف الثاني عشر، أنا أحب العسل كثيرًا كثيرًا فامتلاكي لهذا النوع الغالي ولوحدي كان رائعًا ، كانت لحظة جميلة عندما أعطاني إياها أخي حتى يكون الزاد لي خلال سنة المرحلة الأخيرة من المدرسة.



الجمعة، 20 أبريل 2018

رسالة3

عزيزتي فاطمة في المستقبل 



أكتب لك هذه الرسالة وعمري واحد وعشرون عامًا ، أنا الآن في سكن الجامعة لقد قررت أن أمكث في السكن في نهاية الأسبوع هذه لأنهي بعض الأعمال ولأهيئ عقلي لامتحانات هذا الأسبوع. ربما أنتِ الآن في عقدك الثالث أو الرابع ، أدعو - وأنا الآن أضع يدي على قلبي - أن تكوني بسلام وحب.


إن التفكير بكِ هو أمر مثير للاهتمام ، وأنا متلهفة جدًا لأعرف كيف هي شخصيتك ، سأحاول أن لا تتغيري كثيرًا عن فاطمة في الحاضر ، إلا من قوة تجعلك أكثر ثباتًا وفي جوانب لا أحد يعلمها سواي وخالقي أود حقًا أن أقتلعها منكِ ، وهذا ما أحاول التركيز عليه الآن فمع غروب الأمس بما إن يوم الجمعة قد انتهى بالفعل الآن سألت الله لكِ الصلاح حتى أتمكن من أن أكون مع والديَّ في الآخرة  بما أنني أؤمن أنهم أكثر صلاحًا مني.


أرجو أن لا تكوني قد فقدتِ الحماس لتعلم الأشياء التي أجلتها لحين انتهائك من دراستك الجامعية ، وكلي أمل أنكِ قد زرتي البلدان التي ترغبين بزيارتها خصوصًا إيطاليا وتذوقتي الكثير من الطعام وازددتي الكيلوين اللذان تحلمي بهما منذ دخولكِ للجامعة.


وما يثير فضولي الآن هو روتينكِ اليومي ، ما هي نشاطاتكِ بعد العمل ، وكيف تقضين نهاية الأسبوع ، وما يجعلني أضحك الآن سؤال مهم هل أنجبتي أطفالًا ، طبعًا لا تغضبي مني فليس تقليلًا من شأن فاطمة الشابة اليافعة أن تصبح أمًا ولكنني فقط لا أعلم ما أقول ولكنه يضحكني. في الحقيقة عندما أتأمل نور وأنا أكن لها هذا الحب العظيم كخالة وأقضي وقتًا في تأملها أتساءل هل سأكون ذات يوم أمًا رائعة كأختي!

حتى ذلك اليوم كوني بخير.
فاطمة .



الخميس، 12 أبريل 2018

رسالة2

والدي الحبيب

مضى عامان وثلاثة أشهر بالضبط على القبلة الأخيرة ، ولا أخطط لكتابة شيء محزن ؛ فمنذ اللحظة التي قال فيها أخي أنك غادرتنا وبسمة تعلو شفتيك قررت أن لا أبكي ، بالرغم من أنني أحيانًا من فرط شوقي لا أجد مفرًا من البكاء. وأرجو أن تكون فخورًا بي فأنا في كل مرة أزورك فيها أكون قوية ولا أسمح لدموعي حتى بالنزول ولكنني في الحقيقة يا أبي أشعر في أحيان كثيرة برغبة عارمة أن أُحني على الأقل رأسي على التراب الذي يضمك ، أعلم أعلم أن هذا قصور في التفكير ولا ترضاه مني لذلك أسرع في محو الفكرة من ذهني.

 أعتقد يا أبي أنني أنمو بشكل جيد مع كل يوم ، الآن أنا أدرس الهندسة المدنية لقد كانت خياري الأول وأنا سعيدة جدًا وأستطيع أن أقول بثقة أنني وجدت نفسي في هذا التخصص وأجده ممتعًا ، أواجه صعوبة في بعض المواد ولا يستطيع عقلي أن يستوعب بعضًا منها لدرجة أني أتهمني بإغلاق عقلي ، ولكن لا أجدها معضلة في الحقيقة فليس شرطًا أن ينفتح عقلي لجميع المواد ، أرجو أن لا يغضبك هذا التحديث في فكري لكنني وصلت منذ فصل أخيرًا لهذه القناعة. لقد تغيرت كثير من الجوانب في شخصيتي وأنا راضية ببريقها ولكن تؤرقني يا أبي الكثير من الجوانب المعتمة مني والتي أحاول بجهد أن أعلق نجومًا قد تضيئها ، إنها تحتاج لصبر وهذا ما أفتقده وما أحاول أن أكتسبه. 

 خديجة ابنتك المحبوبة ستنهي دراستها للطب بعد شهرين ، وتأمل طفلتك الصغرى هالة أن تكون خليفتها ، تزوج عمر ابنة صديقك ، وابنتك الدافئة فخرية أنجبت طفلة ثانية لا تقل جمالًا ولطفًا عن أختها الكبرى ، في الحقيقة أنا فخورة بها كأم وكما تعلم هي مثالية في كل شيء تقوم به وأود حقًا أن أصبح مثلها عندما أكبر ، رزق أسعد بطفل وسيم لطيف جدًا ، تحمل ابنتك الواسعة القلب نصراء طفلها الثالث الآن وتدعو كثيرًا أن تكون فتاة هذه المرة. ويجب أن لا يفوتني أن أكتب لك أن الحب الكبير ابنك البكر سعيد يعتني بنا وهو يسير تمامًا على نهجك يثق بنا ويهتم لأمرنا كثيرًا.

إننا نُبلي جميعًا جيدًا ، فبعد ما يقارب الستة أشهر من الضياع أو أكثر منذ ذلك اليوم استطعنا تحسس الأساس الذي وضعته في منزلنا فأعدنا بناء الجدار من جديد ، لا يضاهي جدارك بالتأكيد يا والدي ولكن يشبهه بفضل الحب الذي زرعته فينا ، توجد فيه بعض الشقوق يدخل الحزن من خلالها ولكن لا بأس.

ابنتك المحبة لك للأبد
فاطمة.

الأربعاء، 4 أبريل 2018

رسالة 1

يفترض أن تكون هذه الرسالة موجهة لآخر شخص قابلته اليوم ، إلا أنني قررت أن أكتبها لآخر شخص أقابله يوميًا على مدار خمسة أيام في الأسبوع .

صديقتي الصدوقة جيجي
يؤسفني أن تكوني آخر شخص أقابله على مدار أربعة أيام فقط هذا الأسبوع ؛ فأنا أكتب الآن لكِ هذه الرسالة من منزلنا وفي الحقيقة أنا لا أشعر بالأسف فأنتِ تعرفي حجم حبي لمنزلنا ومدى قدرتي على إنجاز الكثير فيه وهو ما يجعلني أفضله دائمًا على المكوث في ذلك السكن البغيض.

كم مضى الآن منذ أن عرفتك ؟ -أحسبها الآن يدويًا بأصابعي- لقد مضت ثماني سنوات منذ أن جمعتنا مقاعد الدراسة ، لقد أخبرتكِ سابقًا إنطباعي الأول عنكِ وكيف كنت لا أحبك حتى أنني أخبرت أختي الكبرى في أول أسبوع لي في الصف الأول الإعدادي " في صفنا بنت ما أطيقها ! " . وها نحن الآن في سنتنا الجامعية الثالثة وأستطيع أن أوجز علاقتي بكِ بأنكِ كل الأصدقاء.

لا زلت أذكر اللحظة التي أخبرتكِ فيها أنني أشعر بالوحدة الشديدة في السكن وأنني أحتاج أن أنتقل لغرفة مزدوجة معكِ ، خصوصًا أن حالتي النفسية كانت سيئة جدًا بعد رحيل أبي وعدم تواجد شخص يفهمني بالقرب مني كان يشعرني بالغربة . إن الشعور بالإمتنان الشديد لا زال يلازمني على أنكِ لم تترددي أبدًا في قرار الإنتقال - ربما ترددتي في داخلك- خصوصًا بعد تكوينكِ لشبكة رائعة من الأصدقاء ، الآن أفكر حقًا هل كنت أنانية بطلبي هذا !.. أرجو حقًا أنكِ لم تشعري بالندم على هذا القرار.


شكرًا لأنكِ لا تتذمري أبدًا عندما أوقظكِ من نومك لتساعديني في البحث عن نظارتي ، ولخوفك الشديد علي من هذا العالم عندما قلتي في آخر مشادة لنا " أنا أعرفش ترا أكثر من أي شخص ، لكن بايتنش تتغيري ! " ، وأحب أن أؤكد لكِ أنني قد أبدو شخصًا طيبًا ومثل ما وصفتيني ذلك اليوم " على نياتش " لكنني لست ساذجة حقًا.

ولا أريد أن أفوت هذه الفرصة ولا أعترف لكِ أنني سعيدة جدًا بصحبتكِ ، بالرغم من أننا نختلف في الكثير من النواحي إلا أن هناك أشياء لطيفة تجمعنا وأعتقد أننا حتى الآن صنعنا ذكريات كفيلة بأن تجعل الرجوع للماضي في المستقبل جميلًا .

" فاصل كتكوت " أحبه ولا أصنفه إزعاجًا عندما أكون في غمرة انشغالي لتحدثيني عن شيء خطر ببالك أو عن موقف حدث لكِ ذلك اليوم ، أقدر حقًا أنكِ تتحملي غضبي ، حالاتي النفسية السيئة وفضفضة قلبي الطويلة.

صديقتك المخلصة
فطوم.

الخميس، 8 مارس 2018

قوة

في فترة ما قبل السبعينات الذي كان شظف العيش السمة الأساسية فيه كان وجود رجل في العائلة مهم ؛ ليكون القائم بأعمال الأسرة . في أسرة أمي كان خالي هو الذي يقوم بهذا الدور بعد رحيل جدي وكان الرجل الوحيد في العائلة .
بعد سنوات وجدت جدتي نفسها مسؤولة عن طفلتها وعائلة ولدها الأكبر المكونة من أربعة أطفال بعد فجيعة فقدانه. لم يكن تدبير لقمة العيش في الوادي ، وإدارة المزارع على عاتق امرأة عملية سهلة ، ومع التنكيل الذي واجهته جدتي من رجال قبيلتها ، والظلم الذي سُلط عليها حتى اضطروها للوقوف أمام القضاة ولنزاعات تافهة  كأثر الماء وأمور أخرى ، عاهدت جدتي أنها ستحفظ حق أحفادها الأيتام وابنتها مهما فعلوا .
 كانت العادة في قبيلة أمي أن لا تُزوج الفتيات خارج القبيلة ، إلا أن جدتي أقسمت أن لا يكون لهم حق في ابنتها الصغرى وستزوجها بُعد المغرب من الوادي . كانت أمي وجدتي عائدتان من السوق عندما أخبرتها جدتي أنها قامت بتزويجها لرجل من وادي بني خروص وكان تبلغ من العمر حينها أربعة عشر سنة.
 " بنت الرجال ما تخاف من الرجال " عبارة ترددها أمي كثيرًا ، ولا يعني قوة المرأة أن تتخلى عن حياءها ، ولكن قوة المرأة هي التي تشكل حياءها. وأنا في الحقيقة أرى جدتي مثال عظيم للقوة فوجودها في مجتمع ذكوري أراد أن يمارس تسلطه وغلبته عليها لكنها كانت شوكة في أعناقهم ، فليست كل النساء بهذه القدرة.
رأى جدي -من جهة أبي- هذا الجانب من أمي وكان يحترم ويردد دائمًا بإعجاب " أسميش شيطانة !" ، ولقد شهدت الكثير من المواقف التي كان حسم أمي وقوتها فيها واضحًا أمام أبي في الأمور والمواضيع التي تدور في المنزل. وأعتقد أن كل فتاة يجب أن تعزز هذا الجانب منها وتحافظ على حقوقها وتمارسها مع أي كائن كان.

الجمعة، 2 مارس 2018

#رسالة

منذ فترة ليست بالبعيدة يا صديقي لاحظت شيئًا في نفسي أحزنني كثيرًا ، شيء لم أعتقد أنه موجود فيني ، لكنني في ذلك اليوم التفت إليه ، وجدته يضع بقعًا سوداء على قلبي دون أن أشعر.

لأوضح لك ما أقصده يا صديقي دعني أخبرك بعض المواقف ، مررنا يومًا بمنزل اختار أصحابه أن يكون صبغه على هيئة البيوت المتشققة وكان أول ما قلته في نفسي " كيف هذلا الناس يفكروا !" . وفي الكلية مرت أمامي يا صديقي فتاة ترتدي حسب معاييري نعالًا منزلية فرددت في نفسي " ليش لابسه مال بيت! " ، ومرة رأيت فتاة ترتدي عباءة مفتوحة بالكامل فأسررت في داخلي " مو الفايدة لابستنها ! ".

وغيرها الكثير من المواقف ، أجل هذا الشيء البغيض موجود في داخلي يا صديقي  ، تساءلت مع آخر موقف " ما شأني وشأن العالم !" ، أصحاب الصبغ المتشقق معجبون بمنزلهم ، والفتاة مرتاحة بالنعال المنزلية التي ترتديها والأخيرة راضية عن نفسها ، لماذا نجعل من أنفسنا يا صديقي النموذج المثالي الذي يجب أن تتصرف البشرية على أساسه .

من يومها يا صديقي أدركت أن هنالك الكثير من البقع  في داخلي والتي يتوجب علي تنظيفها ، حتى أنني ذات مرة قلتها بصوت مسموع عندما كنت في طريقي لأطلق حكمًا على أحدهم " تو مالش هي عاجبنها ! " ، وتأملت في قوله تعالى : " وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ، يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " ، لا أرى سلامة القلب يا صديقي من الشرك فقط ، يجب أن يكون سليمًا من الحكم على الآخرين ، ولا أعتقد أن الطريق ليصبح قلبي نقيًا من هذا الشيء سهلًا ، ولكنني أحاول في كل مرة تحثني نفسي على ذلك أن أردد " ما شأنك وشأن العالم ! " .

أؤمن يا صديقي الآن أن النقاء الحقيقي عندما نتوقف عن الحكم على الآخرين ، ففي نهاية المطاف كبشر سنختلف في الأذواق وما أراه جميلًا قد يراه الآخر أقبح القبح ، وما أؤمن أنه الحق قد يكون باطلًا.

الجمعة، 23 فبراير 2018

وجدت صديقي باكيًا

وجدت صديقي باكيًا ، رأيته يخفت تحت وطأة دموعه المتساقطة ، أعلم لقد مر وقت طويل منذ آخر رسالة لنا إلا أنني لا زلت أعرفه ، أعرفه جيدًا أكثر من أي شخص آخر ، أمسكت رأسه ورفعته حتى أصبحت عيناه بمستوى عيني سألته : " ما يبكيك يا صديقي " ، لقد كانت إجابته صادمة جدًا ، أمسكت منكبيه وصرخت بوجهه " أهذا الشيء التافه الفاني يبكيك ! " .

لا أعلم إن كنت قاسيًا بحقه ، لكنني كنت بقمة غضبي لقد آلمتني دموعه كثيرًا ؛ لأنه يسرفها بشيء لا طائل منه ، تمالكت نفسي مسحت دموعه ، وسألته :
- هل أمك بخير ؟
- أجل 
- هل ترى والدك بكامل صحته وقوته ؟
- أجل 
- هل إخوتك حولك ؟
- أجل 
- إذًا قل لي ما يبكيك ؟

تلعثم قليلًا " لكنه مؤلم ! " ، إياك أن تقول إنه مؤلم كل شيء يعوض عليك أن تتجاوزه حتى دون أن تشعر بالألم ، دون أن تستقطع وقتًا من حياتك لتحزن عليه. يا صديقي دعني أخبرك شيئًا لقد كنت مثلك تمامًا لكن في اليوم التالي من رحيل والدي ، وقفت أمام المرآة فجرًا رأيت عيني المنتفختين بشكل لم أره من قبل مسحتهما بلطف وبدموع أكثر، وتساءلت عن دموعي التي ذرفتها قبل هذا اليوم تقلصت كل أحزاني وبدت حقيرة جدًا أمام هذا الحزن ، وعاهدت نفسي أن لا أبكي ، مع أنني فعلتها عدة مرات وبكيت إلا أنني لم أذرفها لفقد. 

الشيء الوحيد الذي يستحق أن تبكي عليه يا صديقي هو عندما تفقد جزءًا من قلبك ، هذا الشعور - والذي أرجو حقًا أن لا تجربه - الذي يجعل مكانًا من قلبك فارغًا ، فارغًا لدرجة أن نسمة الهواء إذا مرت عليه تؤلمك . وأنا دائمًا يا صديقي أردد مع كل فقد ما تردده أمي بعد أن رحل والدي " راح إللي أغلى منه " . 

لا تنتظر يا صديقي يومًا كهذا لتردد هذه العبارة واعلم أنك سترحل أنت بنفسك في غمضة عين فكن حكيمًا في دموعك وحزنك.

الخميس، 15 فبراير 2018

هالة القلب الطيب الدافئ

 كنت في الثالثة من عمري عندما ولدت أختي الصغرى ، وكأي طفل كنت أتمنى كثيرًا أن يكون لدينا هذا الكائن الصغير اللطيف في بيتنا ، رسمت الكثير من الأحلام الوردية لقدومها لهذا العالم ، ولعله السبب الذي يجعلني أتذكر الكثير من التفاصيل الدقيقة لولادتها وأنا لا زلت يومها بعمر الثالثة .

كنا في السيارة أنا وأخي وأختي ننتظر أمي لتخرج من المشفى تشاجرنا كثيرًا على حقيبة الطفلة الجديدة من سيمسكها ، كان لونها أبيضًا مزينة بدببة وقلوب صفراء ، لا زلت أتذكر أمي وهي تخرج من ذلك الباب وتحمل بين يديها الطفلة والفرحة التي كانت تغمرنا أكاد ألمس شعورها إلى الآن في قلبي .

أختي الكبرى كانت في الصف الثاني عشر عندما ولدت أختي الصغرى ، هذه الذكرى أحبها كثيرًا كانت تجلس القرفصاء تشاهد التلفاز في صالة منزلنا عندما سألتها " أيش بنسمي أختنا " ، قالت " بنسميها هالة " . 

منذ الصباح الباكر اليوم وهذه الذكريات تمر بذهني وتجعلني أشعر برغبة في البكاء ، أنا لا أكاد أصدق كيف وصلت هذه الطفلة لهذه المرحلة ، كيف مر الزمن بهذه السرعة لتنتظر اليوم نسبتها في الثانوية !

هالة القلب الطيب الدافئ الباكية كثيرًا في أشهر حياتها الأولى البشوشة دائمًا بعدها ، هالة منذ اللحظة الأولى لولادتها كانت أحد أسباب السعادة في منزلنا ، هالة التي وصفتها أخت صديقتي -بالملاك- ستشع بشكل جميل جدًا اليوم بإذن الله .

الثلاثاء، 13 فبراير 2018

حموضة الموت

استيقظت فجر الأحد الماضي على ألم غريب لم أختبر مثله من قبل ، أحسست بثقل في المريء كما لو أن شيئًا كان في طريقه للمعدة وتوقف ، ظننت أن علي أن أشرب الماء لأساعد هذا الشيء العالق ، لكن الماء لم يكن مفيدًا .
إذا لقد حان الوقت وقت الرحيل ، نظرت لصديقتي المستغرقة في نوم عميق وأردت أن أبكي ، إلا أنني منعت نفسي من ذلك فما يفيد البكاء في هذه اللحظة ، حملت نفسي للصلاة ودعوت الله كثيرًا أن يهون علي سكرات الموت إذا اشتدت ، أيقظت صديقتي للصلاة وتأملتها ودعتها في سري فلم أرد أن تظل مستيقظة بسببي ، ماذا أفعل الآن ؟ .. هل علي أن أخبر إخوتي ، هل أتصل بأمي ؟ .. لا بأس سأنتظر الموت أنا قوية وأكون مستعدة له وسيصلهم الخبر من صديقتي لا داعي لإقلاقهم.

هذه الفكرة هي أول ما تبادر لذهني ، انتظرت الموت إلا أنه لم يأتي ، ذهبت لمحاضراتي وهذا الألم يزداد سوءًا بدأت أشعر بطعنات كلما مر الطعام في تلك المنطقة لم يكن من السهل بلع الطعام ، حتى أن الماء أصبح يؤلمني يمر بعد معاناة ورغبة شديدة في البكاء " ماذا يحدث ، ما هذا الشيء العالق ؟ ".

أرسلت لأختي ووصفت لها الألم نصحتني بالذهاب للعيادة لكنني فضلت الانتظار ، انتظرت اليوم كله لعل هذا الألم يرحل ، استيقظت في اليوم التالي إلا أنه كان أصعب أصبح حتى اللعاب يؤلمني عند بلعه ، لا بأس سأنتظر لعله يتلاشى مع مرور اليوم أنهيت محاضراتي وهذا الشيء لا زال هناك في منتصف المريء ، أرسلت لزوجة أخي أنني أحتاج الذهاب للعيادة ، بعد الذهاب للعيادة تبين أن هذا الألم سببه الحموضة ، وصف لي الطبيب أقراص الدواء لمدة أسبوع.

اليوم بعد مرور أسبوع وبعد رحيل الشيء العالق ، لم يعد علي أن أتضايق كل صباح أن أجلس على سريري ولا أريد متابعة حياتي اليومية أن يكون أول شيء ألتقطه صباحًا هي أقراص الدواء أردت حقًا أن ينتهي هذا الكابوس ، نظرت اليوم إلى قنينة الماء كم كان الأمر صعبًا ها أنا ذا أشرب الماء مجددًا دون أن أحسب ألف حساب لكل جرعة ، دون أن أتألم.

لم أفكر يومًا بهذه النعمة أن يمر الطعام ويهضم حتى دون أشعر ،أن آكل ما أريد ، أن أستيقظ كل صباح وأنا بكامل صحتي.